ابن الوزان الزياتي

478

وصف افريقيا

جربة ومن صفاقس . وهي عالية وباردة ، ولا ينبت فيها القمح . وينبت فيها شيء يسير من الشعير ، مما لا يكفي لاستهلاك نصف العام . وسكان هذه الجبال شجعان حقا . ولكنهم يعتبرون من ناحية العقيدة مارقين في نظر المسلمين من مذهب خلفاء القيروان . وقد عزف الناس في مختلف أقطار إفريقيا عن هذه العقائد المارقة باستثناء هؤلاء الجبليين . ولهذا يذهبون إلى ضواحي تونس وللمدن الأخرى حيث يمارسون المهن الحقيرة كي يكسبوا قوتهم ، ولا يجرؤون على الجهر بمعتقداتهم ، خوفا من عقاب المفتشين « 206 » . جبال غريان غريان جبل عال وبارد ، يبلغ طوله أربعين ميلا وعرضه خمسة عشر ميلا « 207 »

--> ( 206 ) وهنا يضم المؤلف تحت اسم جبال نفوسة جبال مطماطة الحالية في جنوب غرب قابس وجبل نفوسة ذاته من منطقة طرابلس . والمارقون المقصودون هنا هم الخوارج من المذهبين الأباضي والوهبي . واستنادا إلى أقوال ابن حوقل أنه بعد معركة النهروان ، سنة 658 م ، حيث سحق الخليقة علي بن أبي طالب عصابة مسلّحة مؤلفة من ألف وخمسمائة خارجي ، التجأ اثنان من زعمائهم وهما عبد الله بن أباض وعبد الله بن وهب إلى جبل نفوسة قبل عام 661 م وماتا فيه . وكان بعض الذين نجوا من النهروان بصحبتهما . وبعد ذلك أصبح جبل نفوسة وكل جنوب بلاد البربر عبارة عن مكان لجوء للخوارج الشرقيين من مختلف المذاهب ، وقد ظل الحلفاء السنّيون يطاردونهم . والحقيقة هي أن هؤلاء الخوارج هم الذين نشروا الاسلام في كل بلاد البربر باستثناء المدن والمناطق التي استطاع الفتح العربي أن يوحدها وأن يقيم فيها إدارة مدنية وعسكرية كافية . وظل جبل نفوسة وجزيرة جربة ومنطقة وادي المزاب في الجنوب الجزائري موطن الخوارج من المذهبين الأباضي والوهبي . ولا نعرف شيئا عن التفتيش الاسلامي في القرن السادس عشر ، ولكن في أيامنا ظل الاسلام السنى والاسلام الخارجي متفاهمين عمليا رغم بقاء كل منهما مصرّا على مواقفه العقائدية . وكان خلفاء القيروان يتبعون المذهب الشيعي ( الإسماعيلي ) ، والذي كان له نزاعات خطيرة مع الخوارج في بلاد البربر . « ويشبه المؤلف هنا مواقف المسلمين من أشياع السنة من الخوارج كموقف النصارى من مسلمي الأندلس بعد سقوطه بأيديهم والذين لاقوا الأهوال من محاكم التفتيش الإسبانية الرهيبة ، وهذا لم يحدث مطلقا لأن التسامح كان ولا يزال من ابرز ملامح الاسلام في كل زمان ومكان » ( المترجم ) . « المذهب الأباضي في اتجاهه الفقهي التشريعي مذهب اسلامي يستمد احكامه من الأصول التي تستمد منها المذاهب الاسلامية الأخرى أحكامها ، وان كان لأصحابه طرائق في الاستنباط تختلف عن طرائق غيرهم . ويدرس هذا المذهب في كلية الشريعة بجامعة الأزهر ويرجع اليه فقهاؤنا في كثير من الشؤون . وهو أحد المذاهب التي تتضمنها موسوعة الأحكام الفقهية التي يقوم بإعددها مجمع البحوث الاسلامية والمجلس الاعلى للشؤون الاسلامية في دولة الكويت . ولا يعتبر اتباعه مارقين عن الاسلام . ويسير عليه الآن معظم سكان مسقط وعمان وكثير من أهل زنجبار وليبيا وتونس والجزائر ، انظر كتابنا « المجتمع العربي ص 74 » . ( المراجع ) ( 207 ) 64 كم في 24 كم .